عصام دراوشه، أعمال تخريبية، القيّم: فريد أبو شقرة

June 22, 2019

 

عصام دراوشه | أعمال تخريبية

أمين: فريد أبو شقرة

 

يعمل عصام دراوشه على خلق قيمًا فنّيّة جديدة، تنبع من القيم الإنسانية المُغيّبة، الذائبة، النادرة، أو ربما الضائعة أو المفقودة. يحاول أن يربط أطراف مسالكه الفكريّة، الإنسانيّة، السياسيّة والثقافيّة طرفا بطرف. يحاول الدمج بين الجرافيتي، بكل ما يحمل من قوانين تختلف عن قوانين الفن التشكيليّ، وبين فنّه الذي يحمل قوانين خاصة به، ويبني لوحة قد تكون مدجنة، خاصة ومميزة. تبلورت من هذه المفاهيم هُوية الشخوص، المذوبة الوجوه والملامح، التي يطرحها عصام دراوشة في سياق عميلة إجهاض لموضوع الهُويّة الفلسطينيّة "الشخصيّة"، بالتزامن مع محاولات محو الهُويّة الفلسطينية "الجمعيّة"، وإحلال هُويّة "مفتعلة" لتأخذ أداة الاستعمار مكانتها في المحو والالغاء.

تُطالب وجوه شخصيات الفنّان عصام المشاهد بالصمود رغم تغييب وتذويب ملامحها. هذا العمل التخريبي المقصود من قبل الفنّان جاء لينتصب أمامنا متحديًا، مواجهًا، صارخًا، صامدًا محركًا لمشاعر وقيم لا تريد شخوصه أن تموت فينا، مطالبة منا الاستجابة للتحدي للممارسات ضد الأرض والذاكرة، مطالبة منا في استمرارية تكوين الهويّة القوميّة بما تحمل هذه الاستمرارية من معاناة. شخوص عصام تطالبنا في المحافظة على ثقافة مشتركة وبناء أطر لحفظ الذاكرة الفلسطينيّة.

تتسم اشتغالات الشخوص في أعمال عصام دراوشة بذلك التدفق المحكم حينًا، والعفويّ التخريبيّ حينا آخر. يفسح اللون وتكويناته على مسطح اللوحات في رؤى انطباعية وواقعية وتجريدية للعين الدخول إلى هذه المفارقة، والنفاذ بسلاسة وحيوية من تلك العشوائية وازدحام الأجواء القتامة الصاخبة والمناخات الباردة التي تبثها للمشاهد. فهو يبدي تارة الألم والأمل وتارة ويخفيها، كي تدركها مخيلة المشاهد. إنها معاينة لظروف سياسية واجتماعية مجبولة بالهموم والرغبة بالانعتاق والانطلاق. كأنها تفك قيدها الذي تصوغه ريشته المغلفة بحواجز وسواتر لونية، تغطي تركيبة اللوحة وبنيتها، واشاراتها لمعان حياتية بليغة من خلال تعامل الفنّان بمشحات تجريديّة، وشطب والغاء لملامح شخوصه دون خوف أو تردد. هذا التخريب التام لملامح شخوصه نجده معاكسا لكيفية تعامل الفنّان عصام دراوشة مع المصابين بحالات تمزق بالعضلات أو أوجاع المفاصل من الحالات التي يعالجها.  فبحكم عمله في العلاج الفيزيوثرابي يجد الفنّان المعالج عصام نفسه يرمم ويعالج اصابات المرضى، ليأتي بهم الى أفضل حال من الحركة وتفعيل الجسد على عكس معاملته التخريبيّة، المُلغية لملامح شخوصه على مساحات اللوحة.

يتفق أغلب الباحثون والنقاد على أن ميزة الفن التشكيليّ لا تكتمل دون تغيير منطق التفكير، ومحاورة الوجود، وملامسة المتغيّرات الأنطولوجيّة والإبستيمولوجيّة، لتتقارب الصورة الإبداعية مع مرادفتها في الواقع الاجتماعيّ والسياسيّ. فلا يمكننا أن ننفي أن جنوح المبدع عن واقعه، هو في حدّ ذاته تعبيرًا صارخًا عن آلام وعُقد الواقع الحياتيّ والمعرفيّ. الأمر الذي يندرج في إطار بحث المبدع عن المنشود، من خلال نظرة خصوصيّة للوجود الإنسانيّ تعرّي الواقع وتكشفه.

تفتح أعمال دراوشة فرصًا كبيرة لفهم الواقع والهُويّة. ليس من أجل صناعة المستقبل فحسب، بل لعيش الحاضر أيضًا. أمامنا فرص كثيرة لهُويّة تمنح المحبة، والعدل، والسلام والبناء، وفرص أقل لتلك الهُوية التي تنشر الاستغلال والتعصب والدمار. لكن الخطر الذي قد يعيق، وقد يطيل المعاناة، هو خطر "الإنساء"، فرض النسيان أو التناسي! هذا الخطر قد يصيب ذاكرة البعض، أو قد يفرض عنوة، وقد يُتوهم بأنه السبيل لتجسيد "الواقعيّة". أعمال دراوشة تقوم بتوثيق الواقع بما يحمل من أحداث تاريخيّة وممارسات ضد الانّسان في كل مكان، وخصوصًا على هذه الأرض، لكي يذكر من قد تنشغل باله عن هذه المواضيع المصيريّة. مذاقات عصام الجماليّة الحسيّة التي تشيعها سطوح لوحاته على مرئيات الحدث في المشهد الثقافي والسياسي, تؤثث بسلاسة واقتدار مسارات تعبيره وانشاءاته، بعيداً عن رسميات "التنميط والتأطير". فثمّة شطب وتلثيم وكشط متكرر لطبقات ألوانه المتراكمة، التي يجري فيها التنقيب والبناء، ومن ثم شطبها ومحوها وهدمها. فهو ينتظر تجلي لحظات ولادة العمل الفنّيّ المنعزل عن الأساليب النمطيّة، التقليديّة أو التقنيات المقولبة التي يقع الكثير من الفنّانين في أسرها. يبقى عصام وفيًا لهواجسه وتأملاته الفنّيّة التي أعاد انتاجها من خلال تنويعات بصريّة وتعبيريّة، من خلال "التجريب والتجديد" في إنتاج فن متميز على الدوام. وهو قادر على منح لغة الرسم وجودًا ذاتيًا، متمثلًا في الشكل واللّون والمساحة. يدرس دراوشة كل واحدة من مقومات الرسم ويحللها وفقًا لجوهرها بهدف إيجاد العلاقة بين جميع الألوان، بين الجرافيتي والفن التشكيليّ، لإيجاد علاقة حتميّة بينه وبين الهُويّة، بينه وبين الإنسان في داخله، بينه وبين فنّه، بينه وبين العالم.

 

 

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload