دوبي هاريئيل، يرتبون الكراسي...، القيّم: فريد أبو شقرة

June 22, 2019

 

دوبي هاريئيل | يرتبون الكراسي...

أمين المعرض: فريد أبو شقرة

 

مفارقة صارخة ومحاكاة ساخرة

 

تتميز أعمال دوبي هاريئيل بالمفارقة الصارخة بين السلوك والقيم. متسلحة أعماله بالضحك، والجنون، والهذيان، والمحاكاة الساخرة، لتدمير كل الثوابت التي تستند إليها الأنظمة السياسية المعاصرة على جميع الأصعدة والمستويات. يتبنى الفنّان الكوميديا السوداء في أعماله كفلسفة تأملية مأساوية، تندد بعبثية الواقع وعدمية المجتمع، وتشدد على انحطاط القيم الإنسانية الأصيلة. فهو يحارب العبث، والإخفاق، والفشل من خلال مشاهد كوميدية لاذعة ، ساخرة ومبطنة في آن واحد. ومن خلالها بات دوبي يتغنى بالشذوذ، وانتقاء الهابط، والسوقي والفج من الصيغ المتداولة، والتركيز على ما هو غريب، وشاذ ومتناقد في سلوكيات المجتمع ولغته، والخلط العجيب بين الأساليب، والفنون، والأزمنة والأمكنة، والتغني بفلسفة العبث والعدم.

تظهر الكوميديا السوداء في جميع الاتجاهات الأدبية، الفن التشكيلي، الكاريكاتير، المسرح، والسينما، حاملة بين طياتها رؤية إبداعية عبثية متشائمة، قوامها الضحك الجنوني، والهستيريا اللاواعية، والنقمة العارمة على معايير السلطة والمجتمع والقيم وطابو هات السياسيين.

تعتمد أعمال دوبي هاريئيل على انتقاد الواقع بكل مستوياته السياسية، والاجتماعية والثقافية. فهي تعريها على نحو فكاهي، تشوهها من خلال تناقضات تشكيلية وجمالية، وتكشف نواقص المجتمع والسياسة الظاهرة، وتشخص عيوب يتعامل معها بنو البشر من خلال مفاهيم ضمنية. انه يسخر لرصد الواقع القائم، ولاستشراف لحظات المستقبل المحتملة. يقوم بذلك بأسلوب كوميدي أسود ملحمي، برختي، موظفًا النقد من خلال فنّه، متسلحا بالأسلوب الساخر المفارق، مرتبطًا بالواقع فهمًا وتفسيرًا. فالكوميديا السوداء والفن الساخر هما دراما واقعية جدلية نقدية، تجمع بين الجد والهزل من أجل تغيير الواقع، وتحرير الإنسان على مستوى الوعي والذهن والشعور. لقد أشار الشاعر الفرنسي أندريه بروتون، إلى أنّ مقولة «السخرية السوداء» التي عجزت عن فرض نفسها كمصطلح جديد في أربعينيات القرن العشرين، يكفيها أنها دخلت من غير تباطؤ القواميس، وبات لها موقعًا فيها. لكنّ هذه المقولة سرعان ما شقّت طريقها منذ الخمسينيات في الأدب والفنون كافة، مثل المسرح والسينما والفن التشكيلي... ولم تنثن هذه المقولة لاحقًا عن غزو الحياة الثقافية في كل أبعادها: الإبداعية، والفكرية، واليومية. إنها غزت أيضاً حركات الاحتجاج والتمرُّد في العالم، وقد أخذت بها الأجيال الجديدة، وجعلت منها سلاحاً لدحض الأفكار «الرجعية» ومواجهة الثقافة الرسمية.

عن أعماله يقول الفنّان دوبي هاريئيل: "لكل من يعتقد أن المزحة ليست أمرًا جديًا، أعتذر مسبقًا عن التشبيه. من ناحية، ليس هناك ما هو أكثر ازعاجًا وملحاحًا من تفسير نكتة. ومن الناحية الثانية، عندما يسأل المشاهد: 'لماذا تنسخ (وتُفسد) لوحات كلاسيكية على خلفية سحابة الفطر؟'، فدائما ما سيكون هناك من يشرح له الأمر. لذلك، ودون الاستهتار بمفسري النكت المهنيين، ربما من الأفضل الاستماع إلى رأي من يحكي النكتة أيضًا.

نرتب الكراسي على سطح سفينة التيتانيك – منذ سنوات وهذه الجملة هي المفضلة لدي لوصف الوضع السياسي في بلادنا، وكلما مرت السنين أصبحت هذه الجملة أكثر دقة. في حينه كنت منشغلًا في الرسم التصويري، والطبيعة والأشياء، بدأت بتصوير السفينة الغارقة وعليها جمهور يرتبون الكراسي. هذه المحاولات الأولية وجدت مصيرها في صندق القمامة. في نهاية العملية أدركت أن وضعنا أخطر من وضع المسافرين على التيتانيك، فنحن مجرد عابري سبيل سُذّج صادف وجودنا في وضع غير مريح. وعمليًا، فنحن انتحاريون نشطون".

التصوير الثاني، القنبلة الذريّة، هو عبارة عن إعادة صياغة لجملة من أغنية لشالوم حانوخ – ماذا تعمل عندما تفيق في الصباح وتشاهد نهاية العالم على خط الأفق؟ الأمور الاعتيادية نفسها بالضبط! عن طريق استخدام لغة الرسم التصويري والسخرية يربط هاريئيل بين ترتيب الكراسي على سطح التيتانيك والسهر الترفيهي على خلفية القنبلة الذرية.

 

 

عمل الطباعة والنقش الغائر تم في مركز غوستان للنقش في كيبوتس كابري، بمساعدة عوفره رعيف، رافيت شفير وحجاي عوز، الذين عملوا بصبر وتفاني على مدار السنين.

 

 

 

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload