حنان أرملي حداد، استعادة، القيّمة: منار زعبي

June 22, 2019

 

حنان أرملي حداد | استعادة

القيّمة: منار زعبي

 

عند البحث في خبايا الذاكرة، تحضر كلّ الاحتمالات البصريّة والتشكيليّة في ذهن ووجدان الفنانّة والفنانّ، إذ تتجلّى صور ضبابيّة تجيء وتذهب، تتشكّل وتتلاشى... من ثم تعود وتستوطن داخل الروح والجسد، تقض المضجع، تلاحق وتلحّ لتأخذ مكانها أمام أعيننا، بعد أن خُبِّئ تحتها ما تبقى من غبار العمر وأزيل عن بعضها الستار.

منذ لحظة البحث الأولى تبدأ مسيرة الجمع والاستعادة...استعادة تفاصيل شخصيّة دقيقة كوَّنت روح المكان والزمان وأثّرت على تشكيل مشهدٍ كاملٍ من الأحداث والآمال والأحلام والخيبات والأسماء والأعمار. جمع قصاصات... بقايا أغراض... كلمات... أصوات وقصص كثيرة.

طريق البحث في مركِّبات الذاكرة مليئة بالعثرات وتصطدم بضدّين أساسيين يشكلان قاعدة جوهريَّة فاعلة وفاصلة في سيرورة خلق هذا الحيّز البصريّ الذي من شأنه أن يحدِّث اللغة والمعنى الفنيين في حالته الإبداعيّة المُثلى. هذان الضدان هما الجمع والاختزال، وبكلمات أخرى، التكثيف والتخفيف، حيث تبدأ مسيرة المخاض عند الحد الفاصل بينهما، الجمع كما ذكرنا آنفًا، بمعنى التكثيف العفويّ والفطريّ، بالتقاط الأشياء وجمعها وفحص العلاقات فيما بينها وإمكانيات صياغتها وما إلى ذلك. تليها مرحلة الاختزال، بمعنى التخفيف والإزالة لعناصر التي إن زادت عن حدها دون دراية، قد تؤثّر في العمل سلبًا، الأمر الذي يتطلّب وعيًا وإدراكًا معرفيًّا للفن وتاريخه وأساليبه ومذاهبه وصناعته، كما يتطلّب موهبة فنيّة عالية   في الفن الإنشائي (installation) ومقدرة عالية على خلق توتّرات وتوازنات بين المركّبات المختلفة بداخله لتجذب المشاهِد وتثيره شعوريًّا وحسيًّا وذهنيًّا. تنتج عن هذا المسار خطوط ورسوم وصور وتشكيلات فنيّة ليست للاستعراض القائم على الشخصيّ من أجل الشخصيّ، بل مركّبات تطمح للالتحام بوعي كامل مع المجتمع والفن وتاريخه الغنيّ بالمعاني، فيها تشكّل هذه الذاكرة الفرديّة حلقة لها مكانتها في سلسلة تراكميّة جمعيّة تتصل بالتاريخ عبر الزمن، تحمل في طيَّاتها الكثير وتسلّط الضوء على بعض ما خفي عنّا منها.

في طريقنا إلى صالة العرض، حدّثتني حنان عن رغبتها في أن تجمع التفاصيل كلها وتودّ لو أنّ بمقدورها تجميد هذه اللحظات ولتتوقّف الحياة بعدئذٍ. قلت بدوري لو كان بوسعي أن أمحو ذاكرتي ولتمضي الحياة أو تتوقف، لا يهمّ، لقد أصبحت حملًا ثقيلًا على الكاهل الذي لم يعد يحتمل. سألت نفسي، هل للعمر وما حمل بين ثناياه شأن بموضوع الرغبة في المحو؟ هل له كذلك شأن بالرغبة في جمع ما بعثره الزمن؟ استمرت حنان بالبحث والتقاط أجزاء الذاكرة كمن يبحث عن كنز مفقود، فوجدت أنّ الكثير من الجدّات والعمّات والخالات والجارات قد تخلّصن من الكثير ممّا أرهق أرواحهن بعد هذه المدة الطويلة من الزمن... هنا تناثرت أجزاء الذاكرة مرة أخرى أمامها بين ما تبقى وما غاب.

استمرت أرملي بجمع الأجزاء بين المفقود والموجود، محاولةً التنقيب داخل العلاقات الكامنة بين المواد المختلفة والأغراض القديمة التي وجدتها، لإعادة نسجها في عمل فنيّ متكامل ونقلها إلينا من قلب الحياة إلى صالة العرض. في صالة العرض تخرج الأشياء من سياقها الحياتيّ الحيّ وتصبح معروضات جامدة داخل قوالب فنيّة، ولكنها تنقل لنا المعلومات ليس فقط عن الذاكرة، إنّما أيضًا عن إمكانية المراوغة الكامنة في الفن وقدرته على تحويل لحظات غاية في الأهمية إلى منتج بصريّ يحمل الكثير من الأسرار التي يتوجّب على المشاهِد أن يتأملها مليَّا ليستخرج ما في باطنها. من هنا نرى أنّ ما نراه ربّما يلامس الحقيقة إلى حدٍّ ما، لكنه لا يعكسها كاملة ومنظّمة كما في أذهاننا، إنّما منثورات تسبح في فضاء مبهم ليس بمقدورنا استكشافه بكلِّيته. وهنا تتداعى أمامنا بعض الأسئلة: هل ثمّة احتمالات لاستعادة الحقيقة؟ هل بمقدور الفن أن يفعل ذلك؟ وهل من ضمن وظائفه أن يستعيدها؟

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload