عندما تتكلم المدافع

February 28, 2017

غرشون كنسيپل، عندما تدوي المدافع

 

تُفتتح القاعة الكبرى لصالة العرض في أم الفحم والتي جري ترميمها وتجديدها بمعرض “غرشون كنسيپل: عندما تدوي المدافع”. يشمل المعرض ثلاث سلسات أعمال في مركزها موضعة لوحات الرسم – خمسة أعمال كبيرة مموضعة-متكئة على الحائط، تكاد تلامس سقف القاعة. أنجز كنسيپل هذه اللوحات الخمس ومعها عشرين عملًا آخر خصيصًا لفضاء خاص جرى افتتاحه عام ألفين في ساو باولو – في بناية “دوفس” حيث كان مقر شرطة الطغمة العسكريّة الحاكمة. بعد القضاء على نظام الرعب هناك جرى تحويل البناية القديمة إلى متحف “نصب المقاومة” وأُفتتح في معرض “عندما تدوي المدافع لا يصمت الإلهام”، الذي استعرنا منه عنوان المعرض الحالي. بعد اختتام المعرض في موقعه الأصليّ في ساو باولو، انتقلت الأعمال الفنّيّة إلى مواقع أخرى، وفي كل مرة كان كنسيپل يعمل عليها من جديد، وكما قال: “لنعلم أنّ العمل على مثل هذه الأعمال الضخمة المكرسة لمواضيع مشحونة جدًا لا ينتهي أبدًا”.

 

الرسومات

الأعمال المعروضة في أم الفحم تتناول فصلين من تلك السلسة الكبيرة التي عُرضت في ساو باولو وتركزت حول الفظائع التي وقعت في القرن العشرين. ثلاثة من الأعمال الخمسة تتناول قصف المدن: بغداد، بلغراد، بيروت، والعملين الآخرين يتناولان موضوعات تتعلق في البرازيل: العمل الأول يتناول قضية التعذيب وقتل مناضلي الحرية أمثال فلاديمير هرتسوغ، الصحفيّ اليهوديّ، وأولغا باينرو زوجة أمين الحزب الشيوعيّ (الملقب “فارس الأمل”). اللوحة التي تفتتح المعرض وتستقبل الزوار تتناول هذه الأحداث والبورتريهات العينيّة للمعذبين عبر كولاج رسم كبير الحجم. اللوحة الثانية مكرسة لذكرى مغني الشعب الملحن التشيلي فيكتور جارا الذي أعدم مع مئات زملائه في أستاد سانتياغو دي شيلي في يوم انطلاق الثورة في 11.9.1973. تشكل هذه الرسومات بالنسبة لكنسيپل جزءًا من سيرة ذاتية قاسية، حيث جرى اعتقال العديد من الأصدقاء والزملاء في البرازيل من قبل الطغمة العسكريّة وتعذيبهم، بل إن بعضهم اختفى ولا يعلم شيئًا عن مصيرهم.

 

المطبوعات الفنّيّة

تُعرض في أم الفحم مطبوعات شاشة حريريّة من الألبوم الذي انتجه كنسيپل (2002-2008)، فترة قصيرة بعد اختتام معرضه في “نصب المقاومة”، وبالتعاون مع صديقه الرسام والمعماريّ الشهير أوسكار نيماير. هذه المطبوعات مكرسة “للسلام ولعالم أفضل” (مثلما سجل نيماير على واحدة منها)، والتي تتميّز بتضمينها كف يد كبيرة، “يد التحذير” كما يؤكد كنسيپل. تذكرنا كف اليد هذه بالنصب التذكاريّ الأسمنتيّ “نصب تذكاريّ لأمريكا اللاتينية”، الذي وضعه نيماير في التسعينيّات في مجمع الذاكرة في ساو باولو، اليد التي يرسم دمها النازف خارطة أمريكا اللاتينية.

 

 

 

رسوم ايضاحية لألكسندر بين

في القاعة المجاورة تُعرض سلسلة سابقة من أعمال كنسيپل، رسومات إيضاحيّة لقصائد الشاعر ألكسندر بين التي زيّنت ديوانه “على مر الطريق” (1956)، والتي أصدرها لاحقًا في ألبوم مطبوعات فنّيّة.

منذ الخمسينيات كان كنسيپل ينتمي إلى تيار االفنّ اليساريّ في البلاد الذي لجأ إلى الحوار مع الجمهور العريض، وخاصة بواسطة أعمال جداريّة قادرة على التواصل مع الجماهير على نحو أفضل من المتاحف. ضمت هذه المجموعة فنانين أمثال نفتالي بزم، يوحنان سيمون، أڤراهام أوفك، والذين انتجوا أعمالًا في الفضاء العام تناولت الأحداث الآنيّة بأسلوب تصويريّ، مناليّ ويدعو إلى التضامن. لكنهم لم يتطرقوا كثيرًا إلى موضوعات الحرب بشكل مباشر، الأمر الذي عبر عنه النقاد الفنيّ يوجين كولب الذي حاول تفسير تلك الظاهرة في سياق مجمل تاريخ الفنون. حيث قال أنّ تلك الأحداث المأساوية ووقائع الحرب قد تحتاج إلى “ذلك البعد المطلوب لدى غالبية الفنانين لأسباب روحانية، وهو البعد الذي يحصن العمل الفنّيّ من تقلبات الزمن”. كما ناقش نهج “الفن الملتزم” بروح الشيوعيّة، مؤكدًا على العاطفة الفائقة وانعدام الصدقية فيه[1].

لكن موقف كنسيپل الذي تبلور وصقل فترة نشاطه الشيوعيّ في البرازيل كان “لا ينبغي للإلهام أن يصمت” وخاصة في فترات العنف والصراع – وأنّ على الفنانين العمل والتأثير. نشط كنسيپل في البلاد أيضًا، وأفضل مثال على ذلك هو تعاونه مع الفنان عبد عابدي في النصب التذكاريّ ليوم الأرض في سخنين (1978).

تذكرنا لوحته الضخمة في أم الفحم، والمطبوعات الفنّية بالتعاون مع نيماير، بالأحداث الآنيّة التي تعتمد على صور من الصحف والمجلات (وخاصة صور لمصورين عسكريين). مع الوقت، تعاظم الجانب النحتيّ في رسومات كنسيپل، فأصبحت الخطوط أكثر حرية وتضيف بعدًا ثلاثيّ الأبعاد على الحيز، كأنها تدعو المتلقي للدخول إلى المشهد، ربما على غرار الديوراما. فالفصل بين حيّز الرسم وحيّز الحياة، والفجوة بين المعمارية والرسم والنحت تفقد أهميتها في التداخل الجسديّ والعاطفيّ، واحتداميّة وكثافة في العمل.

غرشون كنسيپل انضم في عام 1954 إلى الحزب الشيوعي الإسرائيليّ (ماكي)، وظل شيوعيًّا حتى اليوم، مثابرًا لا يتردد في عرض مواقفه الواضحة في السياق الفلسطينيّ. وصل إلى البرازيل عام 1958 في أعقاب فوزه في مناقصة لإنشاء جداريات كبيرة الحجم، ومنذ تلك الفترة أصبح فنانًا مشاركًا وناشطًا في البرازيل في مجالات الثقافة والفنون في الأعمال التي تحمل رسائل اجتماعيّة وسياسيّة. في عام 1964 عند حدوث الانقلاب العسكريّ في البرازيل، عاد إلى البلاد، ليعود بعدها إلى البرازيل عام 1995 ويتقاسم وقته حاليًّا بين البرازيل وإسرائيل.

 

سعيد أبو شقرة وجاليه بار أور

[1] يوجين كولب، الرسم والحرب: عن معرض “جنود رسامون”، صحيفة عل همشمار، 8.10.1948، ص 4.

 

 

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload