معرض مساحة ومكان

January 25, 2015

 

 

أنطـوان شلحـت
 
يوظف ظافر شوربجي في أعماله التي يضمّها هذا المعرض عدة تقنيات ويمنحها بصمته المخصوصة
مهما تكن هذه التقنيات فإن المتلقي يصطدم أول شيء بثلاث منها يمكن إيجازها بمتوالية: “كلمات، زجاج، انكسارات”.
وهي متوالية تحيل على نحو جليّ للغاية إلى الواقع الذي يمتح منه الفنان أعماله المتعدّدة، وينطلق للاحتجاج عليه من خلال تسليط الضوء على جنونه الجامح الذي من شأنه أن يفغر فاه فيودي بنا إلى تهلكات سبق أن شهدها التاريخ إذا لم يتم استخلاص الدروس والعبر اللازمة.
من هنا فإن الفن الذي يخلص له شوربجي لا يقف عند حاجز الإحساس بالواقع ووطأته فحسب، بل أيضاً يتخطاه إلى درجة انضغاط العنق، وإرسال إشارات إلى الذهن لحكّه واستفزازه من أجل تحفيز عوامل الإدراك والدرء.
لا بدّ من الإشارة كذلك إلى أن الفنان يبدو كما لو أنه حدّد لأعماله أن ترتطم بسقف النُطق بكلمات يراها ملائمة ولائقة جداً في تشخيص الواقع الناجم عن حياتنا هنا والآن، وهو السقف الذي يغلب أيضاً على تقنيتي الزجاج والانكسارات اللتين اختار من خلالهما أن يخوض في هذا الموضوع من زاويته.
وربما تشكل الكلمات المنتقاة بعناية وحرص كبيرين تعبيراً عن مدى تحوّل صراع الواقع إلى هاجس يؤرق وعي الفنان، فضلاً عما تحيل إليه من حالة عبثية أشبه بالحالة في مسرحية صموئيل بيكيت “في انتظار غودو”، وبفحواها المجازي القائل إنه ليس ثمة شيء يمكن عمله إزاء الواقع المستحكم ربما باستثناء تطويعه بواسطة اللغة، من خلال قوانينها واستعاراتها.
ولئن كان تأثير مثل هذا الفن على إدراك الواقع هو تأثير كبير للغاية، وأساساً إلى ناحية تحديد (من الحدّة) السؤال “إلى أين نحن ذاهبون”؟، إلاَّ إنَّ المسألة الأعمق تبقى كامنة في الخوض في السؤال الذي لا يقل أهمية وهو “ماذا نحن فاعلون؟”، ولا سيما أنَّ انقلاب الأدوار والمصائر ليس من صنع اللغة أو الكلمات وحدهـا، مهما تكن حادّة وواضحة وجارحة في تعرية خشونة الواقع الذي تصفه.
إن مثل هذا السؤال يشغل الفنان في لاوعيه إن لم يكن في وعيه التام، لكنه في الوقت عينه يطرحه على المتلقي، ولا يحرّره من “واجب” التوقف عنده والتفكير مليّاً فيه.
كذلك يجدر بنا التنبّه إلى أنَّ كيفية التعاطي مع الواقع من شأنها أنْ تدل بصورة مباشرة على كيفية التعامل مع تجاوزه، ودحر كل ما يمكن أن يترتب عليه من أهوال إنسانية وسياسية.
لم أستطع التحرّر من انطباع عام مؤداه أنّ شوربجي يعتبر نفسه كفنان يستطيع أن يستكشف الصفة الخاصة جدًا لقضيته العامة أكثر من أي شخص ثان. ويرجع ذلك ضمن أشياء أخرى إلى وجود “نبض حيوي” في عمل هذا الفنان يُخشى ألا يستطيع غيره أن يصنعه فيما يقدمه عن هذه القضية.
ولدى تأمل هذا الأمر نعثر في ثنياته على عدة رؤى. وليس من قبيل الاعتباط القول إن تلك الرؤى تشكل لحمة وسدى المشروع الفني الذي شيّده شوربجي لنفسه ولنا جميعاً.
تقف في صلب تلك الرؤى، رؤية تؤكد ضرورة فهم الواقع فهماً موضوعياً كي تمتلك بجدارة أهلية الوشاية بإحالاته.
وبناء على هذا فقد أقام صيغته الفنية الخاصة على ما يمكن تسميته بـ”التوازن القلق الذي يستنطق الواقع ويحتفل بجمالية الإرادة”.
وفي استنطاق الواقع كان الفنان يدرك، وهو الإنسان البصير، أن من يغفل عن الواقع لا يحسن مخاطبة المستقبل، وأن هذه المخاطبة الأخيرة ستجانب الغاية المشتهاة إذا لم تلتفت إلى الماضي الحافل بتجارب متعدّدة الدلالات.
 
 
 
أعمال الفنان نضال شربجي
 
 
!كلمات، زجاج، انكسارات
 
 
 
 
 
 
Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload