من الرؤية الى الواقع

   رؤية – تمهيد

بقلم: سعيد أبو شقره ، مدير المعرض ومن مؤسسيه

معرض الفنون في أم الفحم: بين الرؤية والواقع

أم الفحم، مدينة عربية في اسرائيل، تقع في أعالي جبل اسكندر وعلى التلال المجاورة، وتطل على طريق تاريخية هامة، ربطت بين أجزاء كبيرة ومترامية من البلاد التي فتحتها الحروب. هناك شعوب وثقافات كثيرة مرّت في الوادي، أسفل البلدة، والذي تحول الى مفترق طرق هام لتطور المنطقة بأكملها ومستقبلها.

يقطن نحو 50000 نسمة في البلدة الآخذة بالتنامي والتطور بوتيرة عالية، وهي بلدة من شأنها أن تتحول مستقبلا بفعل خصوصيته وموقعه الى نقطة التقاء ثقافية مركزية بالنسبة لمجمع السكان العرب الكبير والكثيف في منطقة الوادي. فعلى مرّ مئات السنين فلح سكان الموقع الأرض التي شكلت بالنسبة لهم مصدر كرامة، فخر وعيش. هذا الانشغال المتواصل في الأرض ولّد ثقافة غنية وأخاذة في مجالات الملبس، الشعر، صنعة الفخاروالبناء وعادات مختلفة أيضًا.

لقد فتتت الحرب التي نشبت النسيج الثقافي الغني والرهيف. ففي الأيام التالية لهدأة المعارك امتلأت البلدة بأركان قاتمة وزقاقات معتمة. انتشرت العائلات في كل حدب وصوب، تاركة خلفها نتاج عمل سنين طويلة وخرابًا ثقافيًا هائلا. هكذا تحولت البلدة الغنية، كثيرة الأراضي، الى موقع فقير يصارع حرب البقاء. وتحول سكانه من أسياد الى لاجئين ملاحَقين يواجهون خطر وجود حقيقي. إن الفقر، البطالة وأزمة الهوية جرّت البلدة الى احدى أقسى حروب البقاء التي مرت عليه منذ اقامته. ووسط ظروف اجتماعية وسياسية قاسية قادت البلدة نهجًا احتجاجيًا واضحًا، وباتت معلمًا هامًا بالنسبة للسكان العرب في اسرائيل

برمّتهم.

 

ضمن هذا الواقع القاسي والمعقد وُلد معرض الفنون في أم الفحم، وتحول خلال فترة قصيرة الى مركز انتاج ثقافي في البلدة ومحيطها. وشكل الشعور

بالعلاقة مع الماضي وحمل المسؤولية على الموقع ومستقبله ذلك العامل الذي دفع الأشخاص الذين عملوا ولا يزالون يعملون بإصرار وحب. فالمهمة واضحة. وما تهدّم في الحرب يجب أن يُبنى من جديد، فورًا، دون مهادنات، ولكن أيضًا بكثير من الجهد. لقد أيقنا أن على عاتقنا مسؤوليةكبرى وبعيدة المدى من بناء، جمع، بحث وتخليد وعرض كل ما يتعلق بالثقافة العربية والفلسطينية التي تهدّمت. إن هذه الأمور جميعًا ستتجسّد في مبنى كبير، هو المتحف العربي الأول، الذي سيصل بين الماضي والحاضر والمستقبل. هو مقرّ للرؤية سيعيد للناس الفرح، الفخر والشعور بالانتماء.

إن فكرة اقامة متحف ولدت ضمن فراغ كبير وصارخ، ولكن أيضًا وسط نقص هائل في الخبراء، الموارد والبنى التحتية. بدأ المعرض العمل من قلب الوعي والشعور بالمسؤولية على المستقبل لغرض وضع مسار ووجهة. الوسائل صحيحة، والطريق طويلة وصعبة. في هذا الوضع الذي ساد بدأنا العمل في عدد من اتجاهات الانتاج المختلفة. تمت دعوة فنانين وقيّمين وخبراء من ثقافات وبلاد مختلفة، كي يساهموا في هذا العمل. وتحول المكان الى نقطة ملتقى هامة وأخّاذة بين الثقافات وبين الأشخاص. فورشات الإبداع، الأيام الدراسية، اللقاءات والحوارات في المعرض، الندوات، معارض الفنون الكثيرة وحيزات العرض

المتميّزة – جميعها جعلت من المعرض موقعًا مركزيًا في حياة الثقافة المحلية والدولية.

لمعرض حاليًا في طريقه للتحول الى المتحف العربي الأول للفنون المعاصرة. وهو سيشكل موقع جذب، احتضان واثراء، من شأنه جسر الفجوات وربط الثقافات التي تعيش هنا الواحدة بمحاذاة الأخرى في قلب الحيّز الذي يعجّ بالحروب والهزّات. هكذا نؤسس جيلا مخلصًا لهويته وثقافته، جيلا يعرف أن يتحمل مسؤولية على حياته ومستقبله، جيلا من الأبناء الفخورين والمنتمين، الذين يقومون بإحياء القفر وتوطيد السلام.